تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

السلام عليكم و رحمة الله


انها الرواية الثانية التي "اتورط" في قراءتها للكاتب المتمكنة منه اللغه حتي الثمالة , زيدان ... فقد كنت , يومها , في مزاج مضطرب ... و ما كنت مسافرا
ككل مرة الجأ فيها لشئ أقرأه ... يأكل الوقت قبل ان يأكلني هو


في محل "البقالة" الكبير ... يوجد ركن للكتب ينزوي علي استحياء ... توجهت اليه و قد اهتاجت نفسي لقراءة ما يعيد للنفس هدوءها ...
تابعت بعيني تلك العناوين الفقيرة علي الارفف الاشد فقرا , و كنت علي وشك ان التقط شيئا لمحمد منسي قنديل ... لكن القدر كان اسرع كما هو دائما


وجدتها "منتفخه" .... و وجدتني مشدودا لانتفاخها بصفحاتها الربعائمة تقريبا ... و لكاتبها الذي زاد تقديري العميق له بعد ان قرأت له تلك التحفة ... " عزازيل "


و رغم كل تلك المشهيات كنت علي وشك ان اعيدها مكانها علي الرف ... لالتقط شيئا آخر ... أخف علي القلب و الروح ... فالمقام مقام استراحه ... و اعماله - أي زيدان - ثقيلة و مجهدة .... لكن شيئا حسم القرار


انها عن "مارية" ... بطلتها و راويتها ... و علي صفحة غلافها الاخيرة كتبت "سحر الجعارة " تقول " كلنا مارية " ....


و لان ابنتي الصغري مارية لها في القلب ما لها .... قررت ان اقتنيها بصفحاتها الاربعمئه و بلا امل في في انهائها في نفس اليوم و ذات الليله و هذا شئ ابغضه ... لكنه يهون من أجل "الماريتان" ..ماريتي و مارية زيدان


انها رواية "النبطي" .... ليوسف زيدان في طبعتها الثانية عشر الصادره عام 2012






قرأتها علي مراحل متعدده ... استغرقت اياما معدودات .... اقتنصتها من هنا و هناك ... لأني احب ان انهي شيئا بدأته


كعادته - يوسف زيدان - بدأ روايته "بديباجه" توحي لك بأنها حقيقة واقعه ... لكنك اذا تذكرت تاريخ الرجل في عزازيل ... تدرك ان كل ما يكتبه هو محض تأليف بديع ... لكنه يعد مصدرا غنيا من مصادر المعرفة ... للقرون التي خلت


تتحدث الرواية عن "مارية" تلك الفتاة المصرية التي تزوجها عربي من الانباط ... زواجا تقليديا من غير حب ... و انتقلت معه الي حيث دياره ... ثم انتهت الرواية بلقطة "مفتوحه" و هي تعود مجددا الي مصر الديار ... او ربما لم تعد !


الروايه تحفه ادبيه بليغه ... و ثروه علمية قيمه ... لمن اراد ان يكشف النقاب عن طبيعة حياة الاوائل و اسلوب حياتهم و معاشهم ... حبهم و كرههم ... رجالهم و نسائهم .. حلهم و ترحالهم ... و الكثير من التفاصيل الجغرافية ... بالغة التجسيد


بعد ان تقرأ تشعر انك ان يممت يمينا ستجد خيمة ... و ان يممت شمالا ستستل سيفا ... و ربما تظل علي هذه الحال لأيام ...


قد لا يتوقع احد ان الرواية بها احداث تروي .... بل هي في حد ذاتها رواية عن راوية تروي مسيرة حياتها .. بنفسيتها هي ...


تبدأ الروايه بوصف دقيق يصل الي الملل لشكل حياة "مارية" في بلدتها الصغيرة في مصر .... ثم الي وصف اشد دقة و طولا لرحلتها من مصر الي بلاد النبط ... ثم وصف اكثر تصويرا و تجسيدا لمحل اقامتها الجديد .... مكانا و سكانا


ابدع الكاتب في التحدث بلسان مارية .. ناقلا للقارئ في بلاغه يحسد عليها ... نفسية البطله و الامها و احلامها .... و هفواتها و غفواتها ... و كل طرفة عين لها


و في خضم كل هذا .... تبدو بوضوح رغبته الدائمه في الزج بالجانب الجنسي في ثنايا أعماله ... و لا ألومه .... ليس فقط لكونه يجيد التعامل باللغه بشكل يجعلك تقرأ دون ان تحمر وجنتاك ... او تستحي من عينيك .... بل لكون السياق الانساني البشري لا يتسق بدون هذا الجانب الذي لا يمكن طمسه بتجاهل جاهل


تركت نفسي للرواية اياما ... فتوحدت مع احداثها ... و ابطالها .... و بدأت امارس هوايتي المتوقعه في توقع الاحداث و التي اشتهر بأجادتها .. لكن "مارية" كانت اكثر مهارة و مراوغه ....


تتحدث الروايه عن مارية ... كرمز لمرأه ... تتضارب فيها امواج المشاعر مع جبال الواقع لتنسج لنا في النهاية ... ثوبا انسانيا ... يكاد يكون متطابقا لما هو موجود الان .. رغم فارق التوقيت ...


قالتها "سحر الجعارة" في تعليقاها المدون علي الغلاف الخلفي ... "كلنا مارية"


نعم كلنا مارية ...


هذه حقيقه ....


و رغم هذا الابداع الذي خطه قلم زيدان .... الا أن مناطق عده في تلك الروايه .... كلما وطأتها بعيناي ... اشعر فيها بانقباض في القلب ... و زوال للراحه ...


فرغم انه بدأ روايته بحمد الله ... و الصلاة و السلام علي نبيه العدنان عليه الصلاة و السلام .... الا أنه قال واصفا رسول الله بأنه الذي دانت لدعوته الارض بالهدي و القهر !....


لم تسعفني قدراتي اللغويه لأصل الي المعني النافذ للفظ "القهر" هنا ... لكن ما يسبقها من كلمات حسن ... يجعلك تقفز مسرعا متخطيا تلك العثرة ... ان كانت عثرة حقا


مع استمرار القراءه .. ادركت ان الكاتب اراد ان يقوم بعمل مضاد "لعزازيل" و ان يمتص بعضا من الضجه التي صاحبتها خصوصا انها كانت ناقده للمسيحيه بشده


هذه المرة ... كانت البطله مسيحيه ... و اسلمت ... لكن ذلك لم يكن محوريا في روايته .... و الذي بدا واضحا انه اراد ان ينتقد الاسلام ! ... ربما لكي يقول لمن انتقدوا عزازيل انه ينتقد "الآخر" .... و لم تكن المسيحية في عزازيل بالتخصص


الحقيقه لم يعجبني تناوله للاسلام .. و رموزه .. بل و حتي تشبيهاته اللغويه السريعه ... و التي اراد فيها ان ينقد ... لكنه لم يكن ليسترسل .... ربما خوفا مما هو آت ... او ربما لأن قلمه كان مهتز الاساس ...


هنا ادركت ما تعنيه ... فاطمة ناعوت ... التي خطت تعليقا علي غلاف الروايه تقول فيه ... ان الروايه بديعه و ستمنح كاتبها الكثير من المريدين و الكثير جدا من المناوئين !.....


لو سألتني هل انت من المريدين او من المناوئين ؟


أقول لك ... اني مع المريدين لروعة الابداع اللغوي ... رغم التحفظ علي عدم التوغل في الاحداث و الشخصيات التي انزوت تحت وابل من الوصف الجغرافي وصل الي حد الاستطاله الممله .....
و لكني من المناوئين ... للانطباع الذي تركه الكاتب للقارئ عن الاسلام .... او ما اراده بتعبيراته ذات المغزي


لا اريد ان اخوض في هذا كثيرا ... لكنها ملاحظه يجب ان اسجلها ... لأني عندما كنت اقرأ كنت احاول دائما ان اتلمس العذر... و ارجع التفسير خلفيات و معاني و مقاصد تلك الالفاظ التي يستخدمها في تناوله للمسلمين .... الي كونها مجرد تسميات اصطلاحيه عاديه ... فمثلا عندما يلقب كلا من الصحبيين الجليلين عمرو بن العاص و خالد بن الوليد بأمراء الحرب !! .... فهل لأن الفارسين كانا قائدين ... فهل القادة قديما كانوا يسمون بأمراء الحروب ؟ ... ادركت فيما بعد ان هذا كان مقصودا !


ايضا وصف كل الفتوحات بأنها غزوات ... و حروب .... و رغبة في ضم الاراضي و الامصار .... و بلغ الذروه عندما اجري علي لسان "النبطي" بطل القصة المبهم ... تعليقا علي "قرآن المسلمين" .... عندما أتوا له بنسخة منه، “فنظر إليها طويلًا، وجال ببصره في السهول البعيدة، ثم قام وهو يقول، وكأنه يحادث نفسه: يأتي بهذا، ويُسيل الدِّماء؟” !!

انزعجت بشده عندما قرأت هذا ...


كما حاول ان يلمح كثيرا بأن مجازر و عمليات اباده تمت للقبائل .... بأمر من رسول الله عليه وسلم


و رغم انه كان يكافح من اجل عدم الغوص في التفاصيل ... و المرور بسطحيه شديده اثناء محاولاته لنقده للاسلام ... الا ان هذه السطحية كان تخدش .. و تترك اثرا و انطباعا غائرين


الروايه بديعه من حيث المتن ... لكنه لم ينجح هذه المرة في انتاج ما يماثل "عزازيل" ... بل و ابقي القارئ يبحث عن "النبطي" الذي هو عنوان الروايه ... في ثناياها فلا يجده الا نادرا ... و كان الاحري ان يسميها - أي الرواية - مارية


مارية التي عاشت مع زوجها .. و احبت اخيه ! ... دون أي خطأ منه او منها ... لم يعطنا عنها جوابا ... سوي انها ممزقة الفؤاد ... حيري ... و لا نعرف الباقي !


اما عن تناوله للاسلام ... فجاء مخيبا ... غير منصف ... ليس لأني مسلم ... احكم بالعاطفه ... و انما التعبيرات المدسوسه ... تعطي انطباعات لها ابعاد خطيره ... بعيده عن واقع لم يدركه خيال الكاتب الذي نضب و عاني جفافا .. حينما وطئ هذه البقعه من التاريخ


حيرني ايضا عندما تناول اليهود بشكل حسن في مواضع عده ... و في مواضع اخري ... اقترب علي استحياء من صفاتهم التي نعرفها ... لكنه لم يغص كثيرا


شعرت بعد انتهاء الروايه .... بمدي اللذه في ان تقرأ عملا بديعا ... لكني لم اشعر ابدا بلذة "عزازيل" الاشد ابداعا .... ناهيك عن اضطراب في المزاج ... نابع من اعتراضي عن تناوله للمسلمين بشكل لم يعجبني البته ... بل جعلني اكاد ان ازيح مقدارا من تقدير خاص احمله لهذا الكاتب المتمكن


لعله يريد ... نوبل ! ...


او لعله يريد مصالحة من هاجموا عزازيل


او لعله يعبر عن قناعاته !


في كل الاحوال ..... ان اردت ان تقرأ ليوسف زيدان ... فأنصحك بعزازيل


و لا انصحك "بالنطي" .... فحتي هذه اللحظه ... لا اعرف من هو ... رغم اني قابلته !


تحياتي